ابن بسام

45

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ذلك صدر تقلّده حجابة هشام - وقد رفع فراشه فوق فراش الوزراء أصحابه ، وأبدل بالكتّان الدّيباج على سالف العادة - أن قال : إني أستحيي من أصحابي أن أتمهّد أفضل من فرشهم ، مع عجزي عن درك شأوهم ، غير أنّا نسلّم لأمير المؤمنين اختياره ، فإمّا يساوي بيننا في فرش كرامته ، وإمّا أقرّنا على الأمر الأول ولا كفران لنعمته ، فأفرش للجميع ، مذ زال فرش الديباج ، فرش الكتان ، فجرى عليهم الرسم إلى آخر الزمان . واستحسن فعل جعفر يومئذ وعدّ من [ بعد ] غوره . وعوّل جعفر في سائر أوقات دولته على هذا النوع من السياسة ، فلزم التواضع للناس ، وأطلق لهم البشر وألان كنفه ووطّأ خلقه ، ورأى أنّهم بذلك يصلحون له ، دون البذل لذات اليد والمواساة في النّعمة ؛ فاستأثر بالأعمال ، واحتجن الأموال ولم ينلهم ، وبنى المنازل وهدمهم ، وشحّ بالنشب وسخا بهم . وعارضه من محمد بن أبي عامر فتى ماجد أخذ معه بطرفي نقيض : بالبخل جودا ، وبالاستبداد أثرة . [ و ] باقتناء الضياع اصطناع الرجال ، حتى غلبه عمّا قليل ، وتحركت حال ابن أبي عامر لأوّل الدولة ، وشارك في التدبير بحقّ الوزارة ، وتقوّى على أمره بنظره في الوكالة وخدمته للسيدة صبح أمّ هشام . وكانت حاله عند جميع الحرم أرفع الأحوال ، بقديم الاتصال ، وحسن الخدمة ، والتصدّي لمواقع الإرادة ، وطلاقة اليد في باب الإلطاف والهديّة ، فأخرجن له أمر الخليفة هشام إلى حاجبه جعفر في الاستعانة به / في التدبير والمشورة له في الأمور ، والاختصاص به على الجمهور . وكان جعفر لمحمد على بعض ما أريد منه ثقة به وسكونا إلى جهته ، فامتصل ما أمر به في ابن أبي عامر لغفلته ، وتزيّد في برّه ، وأشركه في سرّه وجهره . وانهمك [ 1 ] [ 45 ] ابن أبي عامر في مغالطة جعفر ، وأراه أنه صاحبه الحائط لحاله ؛ وعوّل جعفر على رأي محمد ، ووصل يده بيده ، واستراح إلى كفايته ، وابن أبي عامر يمكر به ويضرّب بين حسدته ، ويناقضه في أكثر ما يعامل به الناس ، ويجعل [ 2 ] إليهم بالبذل وقضاء الحوائج ، ويتقدّم من المعالي إلى ما يحجم جعفر عنه ؛ يستضمّ الرجال وجعفر يدفعهم ، ويزيدهم وجعفر ينقصهم ، يظنّ أنه كلّ يحمله عنه ، فيا لك من جامع لمحمد ومفرق عن جعفر ! إلى أن هوى نجمه وزال أمره . وكان أوّل اتصال ابن أبي عامر بالحكم أنّه وصف له فاستخلف على قضاء كورة

--> [ 1 ] ص : وانتهك . [ 2 ] ص : ويستعمل .